Loading

Slzii.com Search

Search (News)

ممر مكة الاقتصادي

جريدة الرياض arabic politics top

لم يكن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان مجرد إضافة إلى قائمة الاتفاقيات الإقليمية؛ فاجتماع ثلاث دول بهذا الوزن والموقع يطرح سؤالًا يتجاوز البعد العسكري: هل يستطيع الأمن المشترك أن يصنع اقتصادًا مشتركًا؟ الاتفاق في جوهره دفاعي، وجاء في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات جيوسياسية متسارعة. لكن التاريخ الاقتصادي يؤكد أن الاستقرار والأمن وحماية المصالح والممرات التجارية ليست ملفات منفصلة عن الاقتصاد، بل هي من أهم شروط تدفق رأس المال واستمرار التجارة وسلامة سلاسل الإمداد. من هنا، ربما يكون السؤال الأهم بعد اتفاق مكة ليس: ماذا ستفعل الدول الثلاث عسكريًا؟ بل: ماذا يمكن أن تبني اقتصاديًا؟ الفكرة التي تستحق الدراسة هي الانتقال مستقبلًا من «اتفاق مكة» إلى ما يمكن تسميته «ممر مكة الاقتصادي»؛ ليس باعتباره سوقًا مشتركة بالمعنى التقليدي، وإنما منظومة تربط التمويل والاستثمار والإنتاج والتقنية والخدمات اللوجستية بين الدول الثلاث. وهنا تظهر عناصر تكامل لافتة. السعودية تمتلك قوة مالية واستثمارية، وموقعًا استراتيجيًا بين ثلاث قارات، ومشروعات لوجستية وصناعية ضخمة تقودها رؤية 2030. وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وتصديرية متقدمة؛ فقد تجاوز حجم تجارتها الخارجية 638 مليار دولار خلال عام 2025. أما باكستان فتمثل سوقًا بشرية ضخمة وقاعدة إنتاجية وموقعًا استراتيجيًا يفتح الطريق نحو جنوب ووسط آسيا. القيمة الحقيقية لا تكمن في جمع هذه المزايا، بل في ربطها داخل سلسلة قيمة واحدة. هناك بالفعل أرضية يمكن البناء عليها. فقد أطلقت السعودية وباكستان في أكتوبر 2025 إطارًا للتعاون الاقتصادي يستهدف تعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية، فيما شهدت العلاقات السعودية التركية توسعًا في ملفات التجارة والاستثمار والطاقة والصناعة والتعدين والتقنية والنقل والبنية التحتية. لكن تحويل العلاقات الثنائية إلى قوة اقتصادية ثلاثية يحتاج إلى خطوة مؤسسية أكبر. يمكن التفكير في مجلس اقتصادي ثلاثي، وصندوق للاستثمارات المشتركة، وبرنامج لتمويل المشروعات الصناعية، وربط الموانئ والمناطق اللوجستية، وتسهيل حركة الشركات ورؤوس الأموال، وصولًا إلى قواعد منشأ تسمح بظهور منتج يحمل قيمة مضافة موزعة بين الدول الثلاث. وهنا تصبح حماية الممرات التجارية جزءًا من المعادلة الاقتصادية. فقد أكدت اجتماعات إقليمية شاركت فيها السعودية وتركيا وباكستان خلال يونيو الماضي ارتباط أمن المنطقة بأسواق الطاقة والممرات البحرية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. ومع ذلك، فإن القوة الاقتصادية لا تُصنع بمجرد توقيع الاتفاقيات. فهناك اختلافات في الأنظمة الجمركية والاستثمارية، وتكاليف النقل، والسياسات النقدية، وبيئات الأعمال. ولذلك فإن التحدي الحقيقي هو الانتقال من التعاون السياسي إلى التكامل الاقتصادي المؤسسي. وإذا أردنا قياس نجاح هذا التحول، فلا ينبغي أن نقيسه بعدد الاجتماعات والاتفاقيات، وإنما بخمسة مؤشرات واضحة: نمو التجارة البينية، ارتفاع الاستثمارات المتبادلة، زيادة المشروعات المشتركة، انخفاض تكلفة وزمن انتقال السلع، وارتفاع الصادرات التي تشترك الدول الثلاث في إنتاجها. اتفاق مكة قد يكون اتفاقًا للدفاع المشترك اليوم، لكنه يحمل فرصة أكبر للمستقبل؛ لأن الأمن عندما يحمي طرق التجارة، والاستثمار عندما يرتبط بالصناعة، والصناعة عندما تتصل بالأسواق، تبدأ القوة الاقتصادية الحقيقية. وربما تكون القيمة الاقتصادية الأهم لاتفاق مكة هي قدرته مستقبلًا على تحويل الأمن المشترك إلى استثمار مشترك، والاستثمار إلى إنتاج مشترك، والإنتاج المشترك إلى نفوذ اقتصادي يمتد بين آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.
2026-08-15 20:31:20

What are you doing?

0.023043155670166


News
جريدة الرياض

Latest News and Headlines
لم يكن اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان مجرد إضافة إلى قائمة الاتفاقيات الإقليمية؛ فاجتماع ثلاث دول...
News